المنشور ليس منفَّذًا: ماذا تُظهر ست استراتيجيات وطنية في المنطقة
خمس دول في المنطقة نشرت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي. وأقل منها من عيّن جهة مخوّلة بإنفاذها، وأقل من ذلك من لديه برنامج تنفيذي أسفل الرؤية. وفي الفجوة بين هذه الأعمدة الثلاثة يضيع معظم الطموح الوطني.
إعلان استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي أمر زهيد الكلفة، أما تنفيذها فباهظ. الإعلان يكسب عنوانًا صحفيًا ومقعدًا في قمة وسطرًا في نشرة الاستثمار الوطنية. أما التنفيذ فلا يكسب شيئًا من ذلك، وهو تقريبًا سبب افتراق المسارين.
جمعنا ما نشرته ست دول في المنطقة فعلًا، مع مصدر أولي لكل مُدخَل. والنمط الذي يظهر لا يتعلق بمن يتقدّم على من، بل بأي الأعمدة الثلاثة استوفته كل دولة.
ثلاثة أعمدة لا عمود واحد
العمود الأول هو الاستراتيجية ذاتها — وثيقة منشورة تحدد الوجهة. وجميع الدول الست تملك هذا.
والثاني هو جهة مخوّلة محددة بالاسم لها ولاية على الذكاء الاصطناعي. وهنا تبدأ الدول بالافتراق. فالسعودية لديها سدايا، وهي مؤسسة دائمة لا لجنة. والإمارات لديها وزير دولة مخصص للذكاء الاصطناعي ومكتب دائم معًا. ومصر لديها مجلس وطني للذكاء الاصطناعي. وحيث توجد جهة كهذه، تتوقف وظيفة شخص ما على أن تُثمر الاستراتيجية نتائج.
والعمود الثالث هو برنامج تنفيذي أسفل الرؤية — الأداة التي تحوّل الوجهة إلى عمل متسلسل واضح الملكية. وعُمان هي الحالة الدالّة هنا: إذ صيغ جهدها كـ«برنامج تنفيذي» تحت برنامج الاقتصاد الرقمي الوطني لا كوثيقة رؤية مستقلة. وهذا عكس النمط الشائع، وهو إنجاز النصف الأصعب أولًا.
لماذا يتنبأ العمودان الثاني والثالث بكل شيء
الاستراتيجية التي لا تسندها جهة مخوّلة لا تملك آلية لحسم التعارضات التي يفرزها التنفيذ حتمًا. فحين تختلف وزارتان على ملكية مجموعة بيانات، لا تستطيع وثيقة رؤية منشورة أن تفصل بينهما، بينما تستطيع جهة ذات ولاية. وهذه هي النقطة الأشيع التي تتوقف عندها المبادرات الرقمية الوطنية بصمت.
أما الاستراتيجية التي لها جهة مخوّلة دون برنامج تنفيذي فتتعثر بطريقة أخرى وأبطأ. فالجهة قائمة، تعقد الاجتماعات وتنشر المبادئ — لكنها لا تستطيع الإشارة إلى خطة على مستوى الإدارات بمواعيد ومالكين، لأن أحدًا لم يكتبها قط. وبعد ثمانية عشر شهرًا تحلّ دورة الميزانية ولا يوجد دليل يُدافَع به.
وتستحق السعودية الإشارة لنشرها مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وإطار تبنّي الذكاء الاصطناعي معًا. فمعظم الدول تنشر المبادئ، وقليل منها ينشر الأداة التي تخبر المؤسسة بما ينبغي فعله حيالها — وهو الفرق بين القيمة والضابط.
ماذا يعني ذلك إن كنت داخل أحد هذه الأنظمة
إن كانت دولتك في العمود الأول فحسب، فالسؤال المفيد ليس «ماذا ينبغي أن تقول استراتيجيتنا». فقد قيل ما يكفي. السؤال هو: من يملكها، وما الذي يُسمح له بأن يقرره.
وإن كانت لديك جهة مخوّلة دون خطط على مستوى الإدارات، فالفجوة فجوة ترجمة: لم يكتب أحد ما يتطلبه الهدف الوطني من مديريتك تحديدًا. وهذا عمل أسابيع، وما لم يوجد فلا يمكن تخطيط ما بعده ولا تمويله ولا قياسه.
وإن توفرت الأعمدة الثلاثة، فالخطر المتبقي هو الإيقاع — التراجع الصامت في وتيرة التنفيذ بين إعلان وآخر. وهو أشيع أنماط الإخفاق وأرخصها إصلاحًا.
ملاحظة عمّا لم ندّعِه
تسع دول في مجموعة بياناتنا معلّمة بـ«لم تُدرس بعد». وهذا يعني أن أحدًا لم يتحقق، لا أن الاستراتيجية غير موجودة. والتمييز هنا أهم مما يبدو: ففي مجال يكثر فيه الجزم ويندر فيه الاستشهاد، يكون قول «لم ننظر بعد» هو الإشارة الأنفع.